الشيخ محمد النهاوندي

561

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

وقلوبكم من الإيمان والكفر ، والإرادات الحسنة والسّيّئة أَوْ تُخْفُوهُ وتستروه من كلّ أحد ، من الإرادات والعزمات ، دون الوساوس وخطورات النّفس التي لا عقد ولا عزيمة فيها ، لعدم الوسع في دفعها يُحاسِبْكُمْ ويؤاخذكم بِهِ اللَّهُ يوم الحساب . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه أنّه قال : لمّا نزلت [ هذه ] الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف « 1 » وناس إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فقالوا : يا رسول اللّه ، كلّفنا من العمل ما لا نطيق ، إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه ، وأنّ له الدّنيا . فقال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، قولوا : سمعنا وأطعنا » . وأشتدّ ذلك عليهم ، فمكثوا في ذلك حولا ، فأنزل اللّه : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 2 » فنسخت هذه الآية ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ اللّه تجاوز عن امّتي ما حدّثوا به أنفسهم ، ما لم يعملوا ويتكلّموا به » « 3 » . في رد استدلال العامّة بآية المحاسبة على بطلان مذهب الخاصة أقول : في الاعتراض وفي الجواب من الدّلالة على فساد ضمائر المعترضين ما لا يخفى . قيل : إنّما قدم الإبداء على الإخفاء ؛ لأنّ المتعلّق بما في أنفسهم هو المحاسبة ، والأصل فيها الأعمال البادية « 4 » . وقال جمع من العامّة : إنّ في الآية ردّ على منكري المحاسبة بما في النّفس ، من الإمامية والمعتزلة « 5 » . وفيه : أنّه إن أريد بما في النّفس الخطورات القلبيّة وحديث النّفس ، فأصحابنا الإمامية متّفقون على عدم المحاسبة به ، وما من ذي مسكة يخالفهم في ذلك . ولا شبهة أنّ عموم الآية - بقرينة حكم العقل بقبح المؤاخذة على ما لا يطاق - مخصوص بغيره . وإن أريد به « 6 » العزم والإرادة ، فانكار المحاسبة ليس ممّا اتّفقت عليه الإمامية ، لذهاب كثير منهم إلى ثبوت المحاسبة به ، والعقاب عليه ، مستدلّين بحكم العقل ، وكثير من الرّوايات . وأمّا ذهاب كثير منهم إلى المعفوّ عنه ، فلتقييدهم الآية بطائفة أخرى من الأخبار المعتبرة ، وحملهم إطلاقها على الكفر

--> ( 1 ) . زاد في تفسير الرازي : ومعاذ . ( 2 ) . البقرة : 2 / 286 . ( 3 ) . تفسير الرازي 7 : 125 . ( 4 ) . تفسير أبي السعود 1 : 272 . ( 5 ) . تفسير أبي السعود 1 : 272 ، تفسير روح البيان 1 : 444 . ( 6 ) . أي وإن أريد بما في النفس .